السيد أحمد الحسيني الاشكوري

435

المفصل فى تراجم الاعلام

بين معاريفه ومعاصريه : كان الأردوبادي معظَّماً بين معاصريه من أهل العلم والفضيلة ، يلهجون بفضائله الأخلاقية ومكارمه النفسية ، ويشيدون بمكانته المرموقة في العلم والأدب والثقافة العالية ، اتفقت كلمتهم على شخصيته الفذة وحسن الثناء عليه . وإليك ما قاله صديقه العلامة المغفور له الشيخ آقا بزرك الطهراني في أثناء ترجمة صديقه : « والأردوبادي عالم ضخم وشخصية فذة ورجل دين مثالي ، وقد لا نكون مبالغين إذا ما وصفناه بالعبقرية ، فقد ساعده ذكاؤه المفرط واستعداده الفطري على النبوغ في كل المراحل الدراسية والعلوم الاسلامية ، حيث برع في الشعر والأدب حتى تفوّق على كثير من فضلاء العرب ، ووُهب أسلوباً ضخماً غبطه عليه الكثيرون ، وتضلع في التأريخ والسير وأيام العرب ووقائعها ، وأصبح حجة في علوم الأدب واللغة ، والفقه وأصوله ، والحديث والرجال ، والتفسير والكلام والحكمة وغيرها ، ونبغ في كل منها نبوغ المتخصص مما لفت إليه أنظار الأجلاء والأعلام ، وأحله بينهم مركزاً مرموقاً . أضف إلى ذلك كمالاته النفسية ومزاياه الفاضلة ، فقد كان طاهر الذيل نقي الضمير ، حسن الأخلاق جم التواضع ، يفيض قلبه إيماناً وثقة باللَّه ، ويقطر نبلًا وشرفاً ، وكان حديثه يعرب عما يعمر قلبه من صفاء ونقاء ، ويحلي نفسه من طهر وقدسية ، وهو ممن يمثل السلف الصالح خير تمثيل ، فسيرته الشخصية وإخلاصه اللامتناهي في كل الأعمال ولا سيما العلمية ، ونكرانه لذاته ، وزهده في حطام الدنيا ، وإعراضه عن زخارف الحياة ومظاهرها الخداعة ، وابتعاده عن طلب الشهرة والضوضاء ، صورة طبق الأصل مما كان عليه مشايخنا الماضون رضوان اللَّه عليهم ، فقد قنع من الدنيا بالحق وتحزَّب له وجاهد من أجله ولم تأخذه فيه لومة لائم ، فلم تبدله الأحداث ولم تغيره تقلبات الظروف ، بل ظل والاستقامة أبرز مزاياه حتى اختار اللَّه له دار الإقامة . عرفته قبل عشرات السنين وتوثقت الصلة بيننا بمرور الأيام ، وظلت الروابط الودية تشدنا إلى البعض حتى قعد المرض بكل منا فأجلسه في زاوية داره ، وسبقنا أخيراً إلى لقاء اللَّه ، وها نحن بانتظار أمره تعالى ، فقد استأثرت رحمته باخوان الصفاء وخلان الوفاء تباعاً ، وأوحشنا فراقهم ، وها هي نُذر الفناء ورسل الموت تترى علينا فنسأله تعالى ( أن يجعل خير عمرنا آخره ، وخير أعمالنا خواتيمها ، وخير أيامنا يوم نلقاه فيه ) .